يكشف تقرير أعدته مدى مصر عن احتجاز أربعة أشخاص على ذمة التحقيق، عقب سلسلة اعتقالات استهدفت أولياء أمور نظموا احتجاجًا في تجمع النخلة الريفي للمطالبة بإعادة فتح المدرسة المحلية، إلى جانب أشخاص شاركوا مقطعًا مصورًا للاحتجاج عبر الإنترنت، وفقًا لتصريحات نشرتها مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان هذا الأسبوع.
وبحسب مدى مصر، جاءت الاعتقالات بعدما حررت إدارة الشيخ زويد التعليمية محضرًا لدى الشرطة ضد أحد سكان النخلة لنشره مقطع الاحتجاج عبر الإنترنت، فيما أكد مسؤول رفيع بمديرية التربية والتعليم في شمال سيناء للصحيفة أن إدارة الشيخ زويد تقدمت بالفعل بالبلاغ.
وخلال الاحتجاج، طالب أولياء الأمور السلطات بإعادة فتح مدرسة منطقة النخلة، التي تعرضت لدمار واسع على مدار سنوات القتال في إطار عملية سيناء، وهي حملة عسكرية استهدفت القضاء على النشاط المسلح في المنطقة.
وجاءت المطالب وسط ما وصفته مصادر قبلية لـ«مدى مصر» سابقًا باحتكاكات حول خطة محافظة شمال سيناء لإعادة التنمية بعد انتهاء الحملة لمكافحة الإرهاب عام 2022.
ونظم سكان النخلة احتجاجًا أمام أنقاض المدرسة، واصطحبوا أطفالهم معهم، مطالبين محافظ شمال سيناء ووزير التربية والتعليم ومسؤولي مديرية التربية والتعليم بالمحافظة وإدارة الشيخ زويد التعليمية بإعادة بناء المدرسة.
ونشر سكان مقطعًا مصورًا للاحتجاج عبر فيسبوك، قبل حذفه لاحقًا. وشرح أحد أولياء الأمور في المقطع المعاناة التي تواجهها الأسر منذ عودتها إلى النخلة عقب انتهاء الحملة العسكرية.
وقال إن الأطفال اضطروا منذ عودتهم إلى الدراسة في مدرسة قبر عمير، التي تبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن القرية.
وأوضح ولي الأمر في المقطع: «دُمرت مدرسة النخلة خلال القتال ولم يُعاد بناؤها حتى الآن»، مشيرًا إلى أن الأهالي لا يجدون وسيلة مواصلات مخصصة لنقل الأطفال إلى مدرسة قبر عمير.
وأضاف أن الطريق إلى المدرسة يشكل خطرًا على الأطفال بسبب انتشار الكلاب الضالة، بينما اضطر غياب وسائل النقل الآمنة الأسر إلى تحمل تكاليف مرتفعة لتوفير وسائل نقل لأبنائها.
وحذر ولي الأمر من احتمال تسرب أطفال النخلة من التعليم بسبب صعوبة الوصول إلى مدرسة قبر عمير، مشيرًا إلى أن السكان تواصلوا مرارًا مع مسؤولي المحافظة ونواب شمال سيناء في البرلمان، لكن «لم يتحرك أحد».
وأعلن السكان بعدها وقف إرسال أطفالهم إلى مدرسة قبر عمير، وتنظيم اعتصام أمام أنقاض مدرسة النخلة إلى حين استجابة مسؤولي التعليم والنواب لمطالبهم بحماية حق أطفالهم في التعليم.
التعليم في شمال سيناء بين المدارس المدمرة وخطط التجمعات الجديدة
وفي بيان أصدرته المحافظة يوم الأحد، قال وكيل وزارة التربية والتعليم في شمال سيناء حمزة رضوان إن مدرسة النخلة دُمرت بالكامل خلال العمليات ضد «العناصر الإرهابية»، وإن الطلاب نُقلوا إلى مدرسة قبر عمير بموجب قرار صدر عام 2016، واصفًا المدرسة بأنها «المكان الأنسب والأكثر أمانًا لتقديم الخدمات التعليمية لأبنائنا الطلاب».
وحذر رضوان من اقتراب الأطفال من أنقاض مدرسة النخلة، واعتبر وجودهم في الموقع «غير مناسب» وخطيرًا، داعيًا السكان إلى عدم الاقتراب من المواقع التي تعرضت للقصف أو المداهمات إلى حين تطهيرها بالكامل بواسطة الجهات الأمنية المختصة.
وأضاف رضوان أن المدرسة المدمرة تقع ضمن تجمع النخلة للتنمية العمرانية المخطط له، والذي «تعتزم الدولة إنشاءه».
وأوضح أن التجمع الجديد سيضم مدرسة تضم 22 فصلًا دراسيًا ومجهزة بإمكانات حديثة، مؤكدًا أن «الدولة لن تقصر في هذا الشأن».
وأشار البيان إلى أن أعمال الإنشاء ستبدأ عقب اختيار موقع المدرسة الجديدة.
وفي اليوم نفسه، زار رضوان قرية قبر عمير والتقى أولياء أمور الطلاب داخل مدرسة القرية، وفقًا لبيان صادر عن مديرية التربية والتعليم.
وقالت مؤسسة سيناء لحقوق الإنسان يوم الأربعاء إن قوة من الشرطة ألقت القبض على ثمانية من السكان خلال اللقاء مع رضوان.
وقال المسؤول الرفيع في مديرية التربية والتعليم بشمال سيناء لـ«مدى مصر» إنه لا يعلم شيئًا عن الاعتقالات.
وأُفرج لاحقًا عن ستة أشخاص، بينما مثل اثنان أمام نيابة أمن الدولة العليا الأربعاء، التي قررت حبسهما على ذمة التحقيق بتهم تتعلق بـ«إساءة استخدام الإنترنت»، وفقًا للمؤسسة.
كما ألقت السلطات القبض على اثنين من سكان العريش أعادا نشر المقطع المصور، واحتجزتهما على ذمة القضية نفسها.
ولا تواجه النخلة هذه المشكلات وحدها، إذ عانت تجمعات ريفية عدة حول الشيخ زويد أوضاعًا مماثلة منذ بدء عودة السكان إلى منازلهم أواخر عام 2022.
وقال سكان إن أطفال قرية العبيدات يضطرون إلى قطع مسافة تقارب سبعة كيلومترات سيرًا على الأقدام للوصول إلى المدرسة في خروبة، بعدما دُمرت المدرسة المحلية خلال العمليات العسكرية.
وفي الوقت نفسه، يدرس طلاب الشواحين داخل منزل تبرع به أحد السكان منذ عامين، بعدما أصبحت مدرستهم غير آمنة إنشائيًا خلال العمليات العسكرية. وكان السكان قد رفضوا إرسال أطفالهم إلى مدرسة خارج القرية.
وقال مسؤول مديرية التربية والتعليم في شمال سيناء إن الهيئة العامة للأبنية التعليمية أجرت حصرًا لجميع المدارس التي دُمرت خلال حملة مكافحة الإرهاب قبل أربعة أعوام، وبدأت إعادة بناء بعضها، مع إعطاء الأولوية للمدارس الأقرب إلى الشيخ زويد، ومنها مدارس الدراوشة والمعانية وأبو زري وأبو فرج.
كما أعادت الهيئة بناء مدارس في عدد من القرى، بينها مدرسة عويدة في قرية الظهير، ومدرسة شلاق الابتدائية، ومدرستا الفارابي الإعدادية والابتدائية في الجورة، ومدرسة خروبة الابتدائية.
وأضاف المسؤول أن مديرية التربية والتعليم نقلت طلاب المدارس المدمرة إلى أقرب منشآت تعليمية من منازلهم، إلى جانب نقل أطقمها الإدارية وهيئاتها التدريسية وملفات الطلاب.
لكن المسؤول أوضح أن خطة إعادة بناء المدارس المتبقية واستعادة الخدمات الأساسية، ومنها الوحدات الصحية ومكاتب البريد ومكاتب التموين ومحطات الإسعاف، توقفت لاحقًا بسبب مشروع الحكومة لإعادة التنمية.
وبموجب الخطة، يجري التخطيط لإنشاء تجمعات جديدة في الشيخ زويد ورفح، مع نقل السكان إليها. وتتولى الهيئة الهندسية للقوات المسلحة اختيار المواقع، ورفع إحداثياتها والإشراف على أعمال الإنشاء التي تنفذها شركات المقاولات، بحسب المسؤول.
خطة التنمية في الشيخ زويد ورفح ومستقبل عودة السكان
وكان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد أعلن في أواخر أكتوبر 2023 اعتزام الحكومة إنشاء 21 تجمعًا تنمويًا، بينها ستة في رفح و11 في الشيخ زويد وأربعة في العريش، مع مراعاة الطابع البدوي للمنطقة. كما وضع مدبولي حجر الأساس لثلاثة تجمعات في رفح.
لكن الحكومة لم تحدد جدولًا زمنيًا لبدء الأعمال. ومع استمرار انتظار السكان إنشاء التجمعات الجديدة، وبعد الاضطرابات التي شهدتها النخلة، قال عضو مجلس الشيوخ عن شمال سيناء فايز أبو حرب يوم الأحد إنه طالب رئيس الهيئة العامة للأبنية التعليمية بالبدء في إنشاء المدارس المقرر إقامتها داخل التجمعات التنموية دون انتظار اكتمال مشروعات التجمعات نفسها.
وأوضح أبو حرب أنه طالب رئيس الهيئة بإنجاز الأعمال وافتتاح المدارس مع بداية العام الدراسي المقبل، «حتى يكون لأبنائنا مدارس قريبة من منازلهم، خصوصًا تلاميذ المرحلة الابتدائية والإعدادية».
وبحسب مصادر قبلية تحدثت سابقًا إلى «مدى مصر»، تعرضت خطة الحكومة للتنمية لانتقادات بسبب عدم مراعاتها الثقافة والعادات البدوية. وأشار السكان إلى التقارب الشديد بين المباني، وعدم مراعاة الانتماءات القبلية عند توزيع السكان على التجمعات الجديدة.
ومنذ عودة سكان الشيخ زويد إلى قراهم منتصف عام 2022، عقب نزوحهم بسبب العمليات العسكرية ضد التمرد عام 2014، يواجه الأهالي مستقبلًا غير واضح.
وفرضت الأجهزة الأمنية قيودًا مشددة على محاولات السكان إعادة بناء منازلهم وقراهم، ووصل الأمر إلى إصدار أوامر بإخلاء بعض التجمعات والقرى، لا سيما الواقعة بالقرب من الحدود.
وفي ظل غياب المساعدة الحكومية، اعتمد السكان على جهودهم الذاتية لإعادة إعمار القرى التي تضررت خلال العمليات العسكرية، والتي لم تنتهِ إلا بعد مشاركة السكان المحليين في جهود مواجهة تنظيم «ولاية سيناء» التابع لتنظيم الدولة الإسلامية.
كما شارك السكان لاحقًا في عمليات البحث عن العبوات والأجهزة المتفجرة التي خلفها التنظيم في المنطقة.
ويعيد احتجاج أهالي النخلة فتح ملف أوسع يتعلق بحق سكان شمال سيناء في الوصول إلى التعليم والخدمات الأساسية، في وقت تتعثر فيه إعادة بناء المدارس والمرافق التي دمرتها سنوات الصراع، بينما لا تزال خطط التجمعات التنموية الجديدة تنتظر التنفيذ الفعلي.

